السبت، 23 نوفمبر، 2013

مصر في العهد العثماني: المؤسسات التعليمية (3)

بسم الله الرحمن الرحيم
ب- أقاليم الوجه القبلي :
أما عن نشاط المؤسسات التعليمية بأقاليم الوجه القبلي، فبداية نذكر أن هناك تفاوتًا في نشاط المؤسسات التعليمية وعددها بين إقليم وآخر حسب أهمية الإقليم وتأثيره، فلو نظرنا إلى أقاليم الوجه القبلي إبان فترة العصر العثماني نجد أن أكثرها ثقلا، إقليم جرجا، ويرجع ذلك إلى أن التنظيم الاداري لمصر العثمانية، قد ارتكز في تقسيمة إلى خمسة أقاليم إدارية كبري، أربعة للوجة البحري، وإقليم واحد للوجة القبلي وهو المتمثل في إقليم "جرجا"، وقد يعزى هذا إلى ما كانت تتمتع به "جرجا" من أهمية اقتصادية في ذلك الحين، حيث كانت تعد مركز التموين الأول للبلاد، وخاصة من القمح، وقد انعكست الأهمية السياسية علي النشاط التعليمي لهذه المدينة، أو هذا الإقليم خلال ذلك العصر.
إذا كانت "جرجا" تعتبر من أنشط مدن الوجه القبلي في الجوانب العلمية سواء في غناها بالمؤسسات التعليمية، أو وفرة العلماء الذين أثروا الحركة التعليمية والفكرية فيها، فعن المؤسسات التعليمية بتلك المدينة نجد الكثير من مؤسسات التعليم الأولي المتمثلة في الكتاتيب. إذ نري منها "مكتب الأمير علي بك"، ومكتب "الشيخ عبد الرحمن بن عبد المنعم"، والمكتب الذي كان يقع بالقرب من الجامع الصيفي، ومكتب "الصنجق" الملتصق بجامع الفقراء ومكتب "الشيخ سعيد"، ومكتب "الست جرجا" المشهور "بالأربعين"، ومكتب يقع بجوار "مسجد عيسي أغا" ومكتب "سيدي الشيخ علي نور الله"، ومكتب الشيخ "علي المفقود العناني"، ومكتب بجوار "مسجد الداودية" ومكتب بالقرب من ضريح العلامة الشيخ "أحمد الشرقاوي"، والمكتب الذي أنشأه الوزير "محمد پاشا"،  وقد اشتمل هذا المكتب علي مصلى، ومن تحته سبيل، وحوض، وساقية، وقد رصد له "محمد پاشا" قطعة أرض مساحتها ثمانون فدانا.


أما مؤسسات التعليم العالي بتلك المدينة فنجد أنها قد تمثلت في الجوامع التي مارست حركة تعليمية نشطة آنذاك. ومن هذه الجوامع جامع "المتولي" أو "الجامع المعلق" الذي أنشأه الأمير "محمد أبو السنون" حاكم "جرجا"، وذلك في حدود المائة الثامنة للهجرة تقريبا. وكان من مدرسيه الشيخ "العالِم عبد الجواد الكبير الأنصاري" (ت1679) والشيخ "عبد الرحمن بن عبد المُنعم"، والشيخ "عبد البر عناني" مفتي السادة الحنفية بالصعيد آنذاك، وجامع الأمير "علي بك الفقاري"، ومن مدرسيه الشيخ محمد الملقب "بأصيل الدين بن محمد بن محمد أصيل الدين" (ت1693)، وهو أحد من تولي إفتاء مدينة جرجا في زمنه، وله مؤلفات عديدة في عدة علوم مختلفة منها "الفقه"، و"الحديث"، و"التوحيد"، و"اللغة"، وقد قام بالتدريس بأكثر من مؤسسة تعليمية بجرجا، منها الجامع المشار إلىه حيث كان يُدرّس به علم الحديث.
أيضًا جامع الفقراء، الذي كان يُعرف بجامع "الزبد" وكان يحتوي على مكتبة غنية بالكتب في عدة علوم مختلفة.
ومما هو جدير بالذكر في هذا الشأن أن "جرجا" قد شهدت إنشاء مؤسسات تعليمية إضافية، ومن ذلك الجامع الذي أنشأه "أحمد بن حمادة ابن محمد الفاضل"، الذي يرجع تاريخه إلى عام 1683.

هناك عدة مدن خري من مدن الوجه القبلي كان وُجد بها عدد من المؤسسات التعليمية، ولكن في الحقيقة ليس بنفس القدر الذي وُجد بجرجا، ومن بين هذه المدن مدينة "أسيوط"، التي نري من مؤسساتها التعليمية مكتب السبيل الكائن "بالتربة"، ومن مدارسها مدرسة "العلاوي أبو دقن"، التي أُنشئت في بداية القرن العاشر الهجري 1498، والمدرسة "الشريفية"، التي أنشأها القاضي "السيد الشريف زين الدين"، تحديدا في عام 1502. ومما هو واضح أن "أسيوط" من المدن التي كانت تعاني من تجاهل ولاة الأمر، وقلة اهتمامهم بأنشطتها العلمية، الأمر الذي أدى إلى قلة إنشاء المؤسسات التعليمية بها، مما أدى بدوره إلى ندرة ظهور شخصيات علمية منها كالتالي رأينها في جرجا مثلا.
ومن مدن الوجه القبلي ذات النشاط العلمي الملحوظ في تلك الفترة أيضا مدينة "ملوى" التي كانت تعد مركزا لولاية "الأشمونين"، وقد أضفي هذا الوضع الإداري علي "ملوى" بعض من الأهمية، الأمر الذي انعكس بدوره على إنشاء المؤسسات التعليمية بها. فمن مؤسسات التعليم الأولي مكتب "عابدين جاويش"، ومكتب السبيل الذي أنشأه المقدم "أحمد بن المقدم علي"، مقدم ولاية جرجا، وزاوية الشيخ "أبو بكر بن علي بن حماد التوني". أما عن المدارس فنجد منها مدرسة الشيخ "شهاب الدين أحمد الدلجي"، والمدرسة "المعزية" نسبة إلى منشئها القاضي "عز الدين محمد بن عساكر".
وثمة مدينة أخرى كانت تعد فقيرة في مؤسساتها التعليمية آنذاك وهي مدينة "البهنسا"، ومن مؤسساتها التعليمية نجد مكتب "السبيل الكائن بناحية "أهطو"، وهو من إنشاء "أحمد بن عمر المقروش"، وكل من زاوية ومكتب "السبيل" بخط الركنين، إنشاء أمير اللواء "مصطفي" حاكم ولاية "البهنساوية" وذلك بجوار منزله. ومكتب السبيل إنشاء الشيخ "أبو البركات" الذي كان مُقاما بناحية العساكرة، وغير ذلك من المؤسسات الأخرى.

وهكذا فقد لاحظنا مدي ضآلة المؤسسات بمدن الوجه القبلي بعكس ما رأيناه في كل من "القاهرة" ومدن "الوجه البحري". على أن من أهم ما يمكن ملاحظته في هذا الصدد، أن الحركة التعليمية والفكرية لم تكن قاصرة علي القاهرة وحدها، بل انتشرت في معظم أقاليم مصر، – مدنها وقراها – بل نجد ما هو أهم من ذلك، أن نسبة الإقبال على التعليم كانت عند أبناء "الأقاليم" أكثر مما هو عند أبناء "القاهرة"، ومما يدل على صحة ذلك أن معظم مشاهير العلماء الذين أثرو الحركة العلمية والفكرية في مصر، كانوا ينتمون في الاصل إلى الأقاليم، إذ بدأوا مراحل التعليم الأولي بالأقاليم، ثم إلى القاهرة بعد ذلك؛ ليجاوروا بالجامع الأزهر مرحلة التعليم العالي، ولاستكمال مسيرتهم التعليمية، إلى أن أصبحوا فيما بعد حملة العلم ينقلونه إلى الأجيال المتعاقبة.

* دور الأزهر في احتفاظ مصر بالريادة العلمية :
مما هو غني عن البيان، أن المنافسة القديمة التي كانت بين القاهرة وبغداد عاصمة "العباسيين" قد حُسمت لصالح القاهرة منذ أوائل العصر المملوكي، على إثر الهجمات المغولية علي عاصمة العباسيين، كما حُسمت أيضًا المنافسة بين القاهرة ودمشق، وذلك بعد الغزوات الصليبية علي العالِم الإسلامي، والتي تركزت علي بلاد الشام، وحتي بعد طرد "الصليبيين" من تلك البقاع على أيدي "الأيوبيين" و"المماليك"، إلا أن الشام أصبحت إقليم تابعا لدولة مركزها "القاهرة"، وبالتالي ظلت العاصمة مركز الصدارة،وليس كمركز للسلطة فحسب، كذلك بل كملتقي للعلماء من كل مكان.

عندما سيطر العثمانيون تحولت مصر من دولة مستقلة وعاصمة لدولة عريضة الأرجاء إلى مجرد ولاية تابعة للدولة العثمانية، وفقدت بذلك استقلالها وريادتها السياسية في المنطقة، إلا أنها احتفظت بريادتها الثقافية والتعليمية، وظلت ملتقى العلماء من شتى الأقطار الإسلامية.  ومن أهم ما ساعد علي بقاء هذه الاستمرارية الثقافية، والتعليمية وجود الجامع الأزهر بها، الذي كان يعد قبلة العلم والعلماء في العالِم الإسلامي منذ إنشائه.
فمن حيث احتفاظ مصر بريادتها الثقافية بين أقطار العالِم الإسلامي في العصر العثماني واستمراريتها في ذلك، فقد كان علماء تلك الأقطار يخاطبون علماء مصر ويستفتوهم في كثير من القضايا، ومن ذلك ما حدث في بدايات القرن الـ17، من ظهور حادثة التدخين، التي أثارت انتباه المسلمين، وكثُرت تساؤلهم حول هذا الحدث الجديد عليهم، فتناولته أقلام العلماء في مختلف الأقطار الإسلامية للبت وبيان حكم الإسلام فيه، فمنهم من قال فيه بالحِل، ومنهم من قال بالحرمة، ونتيجة لذلك كثر إرسال التساؤلات من علماء تلك الأقطار إلى علماء مصر للإستعانة برأيهم، فها هم علماء السودان قد أرسلوا إلى علماء مصر للأخذ بفتواهم في حكم هذه العادة المستحدثة.
هذا بخلاف الأسئلة الفقهية التي كانت ترد من الشام إلى مصر، و قدوم الدارسين من شتي أقطار العالِم الإسلامي، للتعلم فيها وأخذ الاجازات عن علمائها، فبلغ علماء تلك الأقطار الغاية في العلم والإجادة في وضع المصنفات.  ومما لا شك فيه أنه قد تفاوتت تلك الأقطار فيما بينها من حيث خروج طلبة العلم والعلماء منه قاصدين مصر للتعليم،  وسنتناول هنا أهم الأقاليم التي وفد طلابها بصورة منتظمة لتلقي العلم في الأزهر الشريف.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق